إرث بلفور: تدمير فلسطين
خطاب الدكتور سلمان أبو ستة

تحدث الدكتور سلمان أبو سته (رئيس هيئة أرض فلسطين في لندن ورئيس الهيئة العامة للمؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج) أمام مجلس اللوردات بالمملكة المتحدة في يوم 28 مارس في جلسة لمناقشة وعد بلفور وآثاره على الفلسطينيين. ويصادف هذا العام مرور قرن على تعطيل قيام دولة فلسطين على أرضها.

 

وفيما يلي نص خطاب أبو ستة:

 

السيدات والسادة

إننا نشهد اليوم أطول حرب ضد شعب:

مائة عام من نضال الشعب الفلسطيني من أجل الحرية والاستقلال في بلاده.

مائة عام من الموت والدمار بالمنطقة، مائة عام شهدت تدمير فلسطين وتشتت شعبها.

لقد تم ذلك التدمير والتشتيت خلال عملية التهجير العرقي وهى الأكبر والأطول والأشمل والمتعمد والمتواصل في التاريخ الحديث.

مائة عام من انتهاك كل حق من حقوق الانسان وكل مادة من مواد القانون الدولي دون علاج أو عقاب.

مائة عام مرت على المشروع الاستعماري الوحيد الموجود في العالم اليوم.

والعجيب أنه لم يكن الهدف أن تكون فلسطين مستعمرة على الاطلاق.

فبريطانيا تولت مهمة بناء مؤسسات دولة في فلسطين والعراق (كانتداب من الفئة أ لكلاهما). وكان من المقرر إنشاء دولة ديمقراطية مستقلة تخدم الشعب الفلسطيني.

وكان ذلك في إطار تحقيق “الامانة المقدسة للحضارة” وفقا للمادة 22 من ميثاق عصبة الأمم.

ولكن بدلا من ذلك، تم تحويل فلسطين إلى مشروع استعماري لصالح المستعمرين اليهود الأوروبيين وهم ليسوا أهل البلاد.

لقد كان ذلك أسوأ من مشروع استعماري.

وبخلاف أي مشروع استعماري آخر، انتهى الامر إلى طرد جماعي للسكان الاصليين، ومصادرة أراضيهم وممتلكاتهم، وتدمير عمرانهم، ومحو جغرافيتهم وتاريخهم. وكان هذا هو الحدث الأكثر مأساوية في 5,000 عام من تاريخ فلسطين.

دسائس أوروبا

في عام 1916، بينما كانت طائرات الحلفاء تقوم بإسقاط منشورات على العرب في الحرب العالمية الأولى تحثهم فيها على محاربة الأتراك والحصول على الاستقلال والحرية، جلس مارك سايكس البريطاني وجورج بيكوت الفرنسي في غرفة مغلقة مع خريطة للشرق الأوسط، وقاموا بالتخطيط لكيفية تقسيمه بينهما.

وبعد عام واحد، قام آرثر جيمس بلفور، وزير الخارجية البريطاني حينها، بإبرام اتفاق سري مع اليهود الأوروبيين الأغنياء لتسهيل إقامة “وطن قومي لليهود”، ليس دولة وليس في كل فلسطين. وقد احتفظ بلفور بهذا الاتفاق في مكان مغلق. وفي الوقت نفسه دخلت القوات البريطانية فلسطين في ربيع عام 1917 وقامت بقصف غزة باستخدام قذائف الغاز السام (نعم) ودمرت معظم مبانيها القديمة، ولكنها هزمت مرتين عند أبواب غزة.

وفي مساء يوم 31 أكتوبر من عام 1917، استولت قوات أللنبي على بئر السبع في هجوم مفاجئ من ناحية الشرق. وأصبحت أبواب فلسطين مفتوحة. وأرسل أللنبي برقية إلى لندن في الأول من نوفمبر مفادها، “قمنا بالاستيلاء على بئر السبع. والقدس ستكون هدية لكم في عيد الميلاد”. وفتح بلفور الدُّرج الخاص به وأعلن عن اتفاقه السري في الثاني من نوفمبر لعام 1917.

لم يشعر بلفور بالعار من فعله. وأعلن بوضوح موقفه قائلا: "بالنسبة لفلسطين لا نعتزم الذهاب حتى الي استفتاء حول رغبات (فضلا عن حقوق) السكان الحاليين في البلاد".

وإذا كانت هذه بيانات سياسية للاستهلاك المحلي فإن الأعمال البريطانية اللاحقة في فلسطين حولت هذه الكلمات إلى أفعال.

وكان أول عمل لهم هو اختيار وزير بريطاني صهيوني، وهو هربرت صموئيل، ليكون أول مفوض سام لفلسطين، ومهمته الرسمية هي تحقيق الاستقلال وإقامة حكومة عاملة لفلسطين.

ولكن صموئيل قام بعكس ذلك. حيث خلق الجذور التي تساعد على انشاء إسرائيل. وفي فترة ولايته في (1920- 1925)، وقانونيا فقط من عام 1922، قام بالتأسيس لدولة إسرائيل المستقبلية، حيث أصدر عشرات القوانين التي سهلت حيازة اليهود للأراضي الفلسطينية والاعتراف بالعبرية كلغة رسمية. وأنشأ مؤسسات يهودية منفصلة، تتمثل في نظام مصرفي ونظام تعليمي ونقابة عمالية (هيستادورت)، واشغال عامة (سوليه بونه)، وشركة لتوليد الطاقة (روزنبرغ). ولكن أهم قوانين القضاء على استقلال فلسطين العربية كان قانون إنشاء مجلس تشريعي يهودي منفصل وقوات مسلحة يهودية منفصلة (الهاغانا)، والتي قامت باحتلال فلسطين في نهاية المطاف.

وفي اللغة القانونية اليوم، وضع صموئيل أسس الفصل العنصري لإسرائيل.

انتشار الفصل العنصري

يذكر أن صموئيل قام بإصدار العديد من هذه القوانين دون سلطة، لا من عصبة الأمم، التي وافقت على التفويض لصلاحياته فقط في 24 يوليو من عام 1922، ولا بناء على سلطة من وزارة المستعمرات البريطانية في لندن والذي غالبا ما قامت برفض صياغة صموئيل لهذه القوانين.

ووصل تدفق المستوطنين الأوروبيين اليهود في فلسطين إلى ذروته في منتصف الثلاثينيات. وفي عام 1936، ارتفع مجموع المهاجرين اليهود إلى 384 ألفا وشكل 28% من مجموع السكان (من 9 في المئة في بداية الانتداب). وهذا تسبب في إشعال الثورة العربية الفلسطينية في (1936- 1939).

وتمت مواجهة الثورة بأقصى قدر من الوحشية البريطانية. وقام السلاح الجوي الملكي بقصف القرى بشكل عشوائي. وارتفاع عدد الضحايا من المدنيين أغضب السكان وزاد من عدد الذين انضموا إلى صفوف الثوار (والذى سماهم البريطانيون "العصابات"). وهاجمت القوات البريطانية القرى ودمرت إمداداتهم واحتجزت الرجال في أقفاص لمدة يومين دون طعام ولا ماء. وتم توقيع عقوبات جماعية على نطاق واسع، كما تم حل الأحزاب السياسية وحبس القادة أو ترحيلهم.

وتلقت القوات البريطانية في ذلك الوقت والمكونة من (25- 50 ألف جندي) المساعدة من القوات المسلحة اليهودية، لا سيما رجال الشرطة اليهود وعدد كبير من رجال الشرطة الاحتياط وحراس الاستيطان من اليهود، بالإضافة إلى توفير المعلومات الاستخباراتية.

وقد وصل عدد الضحايا إلى 5 آلاف قتيل على الأقل و15 ألف جريح وسجن عدد مماثل. كما تم اعدام أكثر من 100 رجل، بما فيهم قادة مثل الشيخ فرحان السعدي البالغ من العمر 80 عاما، والذي تم شنقه وهو صائم في شهر رمضان في 22 نوفمبر من عام 1937. وبالتالي، فإن حوالى 50 في المئة من جميع الذكور البالغين في المنطقة الجبلية بفلسطين، والتي تسمى الضفة الغربية اليوم، حيث كانت الثورة نشطة بشكل بارز، قد أصيبوا أو جرحوا على يد البريطانيين.

وبحلول عام 1939، تم تقطيع أوصال المجتمع الفلسطيني، وعزله بلا قيادة. ويمكن تعريف عام 1939 باسم عام النكبة البريطانية.

وبعد عشر سنوات تقريبا، قام بن غوريون بتنفيذ جرم النكبة الصهيونية في عام 1948.

الصهاينة يهاجمون بريطانيا

في ختام الحرب العالمية الثانية، كافأ الصهاينة بريطانيا على دعمها الذي ساعد في فتح أبواب فلسطين أمام تدفق المهاجرين اليهود. وبدأ الصهاينة بحملة إرهابية ضد مناصريهم السابقين. وقاموا بتدمير مقر القوات البريطانية، كما قاموا بشنق الجنود البريطانيين واختطاف قضاة بريطانيين.

وفي عام 1945، كان على بريطانيا أن ترسل الفرقة 6 المحمولة جواً إلى فلسطين لمحاربة الإرهاب الصهيوني. ولم يكن هدفها هو إنقاذ أهل فلسطين بل إنقاذ جنودها الإنجليز من الارهاب الصهيوني. وقام الصهاينة أيضا بعد ذلك باغتيال الكونت فولك برنادوت، وسيط الأمم المتحدة المعين لإحلال السلام في فلسطين.

ووصف مجلس الأمن في القرار رقم 57 لعام 1948 الأعمال اليهودية بأنها “إرهابية”. وفي الأسابيع الست المتبقية من الانتداب، قام الصهاينة بمهاجمة وتهجير أهالى 220 قرية فلسطينية وارتكبوا عدة مذابح، وكان أكثرها شهرة هي مذبحة دير ياسين.

كانت مهمة البريطانيين هي حماية الفلسطينيين، فماذا فعلوا؟

لم يتدخلوا حتى بعد ارتكاب أكثر من 12 مجزرة ضد القرى الفلسطينية. وكانت دير ياسين، الأكثر شهرة، على بعد بضعة كيلو مترات من مكتب رئيس الشرطة البريطانية في القدس، ولكنه لم يفعل شيئا. وقد ساعد البريطانيون في طرد الفلسطينيين من طبريا بنقل السكان المهجرين. وفي الإجلاء الجماعي للفلسطينيين في حيفا، لم تدافع القوات البريطانية عن السكان، ولكنها ساعدت في ترحيلهم.

ويوضح سقوط حيفا فشل الجنرال ستوكويل في أداء مهامه وحماية السكان. ولا تزال التهم الموجهة إليه ولتعاونه مع الصهاينة المعتدين وصمة سوداء في سجله حتى يومنا هذا.

وسجل اتصالات اللاسلكى المكتوب بخط اليد بين الدوريات البريطانية على طول محور يافا- القدس ومقرهم في الفترة الحرجة من أبريل- مايو لعام 1948، (الذى نعرضه لكم هنا) يعد سجلا دامغاً للتواطؤ البريطاني وفشلهم في الإيفاء بالتزاماتهم.

وفي السجل اللاسلكي (رقم 129) للقوات التي كانت عاملة في (أبريل ومايو من عام 1948)، كان هناك إشارات لاسلكية متكررة توضح رفض الجيش البريطاني إنقاذ القرويين الفلسطينيين عندما هاجمهم اليهود. إذ أمرت قيادة الجيش بالمراقبة والإبلاغ وعدم التدخل. وعندما طلب اليهود المساعدة، تم توجيه أوامر للقوات بإنقاذهم.

ووفقا للسجل، كانت قرية دير محيسن تحترق تحت مدافع هاون الهاجاناه اليهودية وكان أهلها يصرخون طلبا للمساعدة بينما كانت القوات البريطانية تراقب ولا تفعل شيئا. وقد كانت تقاريرهم تسخر من الفلسطينيين بتلقيبهم بالحثالة الشرقية. وقد ترك رحيل البريطانيين البلاد في حالة من الفوضى واليأس. وكان هذا هو الرحيل البريطاني الأكثر خزيا من أي مكان آخر في الإمبراطورية البريطانية.

ولم تقم بريطانيا بتسليم حكومة عاملة للفلسطينيين وفقا لما يمليه عليه واجبهم. بل ترك البريطانيون فلسطين في أيدي المستوطنين اليهود الأوروبيين الذين قامت بريطانيا بتدريبهم وتسليحهم. وكانت المهمة الأولى للمستوطنين اليهود هي إرهاب البريطانيين أنفسهم ومطاردتهم إلى خارج فلسطين.

وقام آخر مفوض لفلسطين، السير آلان كنغهام، بمغادرة فلسطين دون كلمة وداع، لا من العرب الخاسرين ولا من اليهود الفائزين.

وأنه لأمر يمثل انعكاسا مؤسفا على استمرار السياسة البريطانية المعادية، أنه بدلا من الوفاء بالتزاماتهم بحماية الفلسطينيين وتسليم فلسطين حرة وديمقراطية، قامت بريطانيا بعد عام واحد من النكبة، وجنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة وفرنسا، بإصدار الإعلان الثلاثي لعام 1950 ضد أية محاولة لتغيير الوضع الراهن الذى خلقه انشاء إسرائيل، والذي يتمثل في تدمير فلسطين وطرد شعبها.

والتاريخ الذي أعقب ذلك، بداية من العدوان الثلاثي لعام 1956، والمعروف أيضا باسم حملة السويس، حتى قمع تريزا ماي رئيسة الوزراء البريطانية لحرية التعبير فيما يتعلق بالجرائم الإسرائيلية، يظهر فقط أن إرث بلفور لا يزال حيا ويمارس كالعادة في 10 شارع داوننغ ستريت.

وانا واثق من أن غالبية الشعب البريطاني لا يتفق مع هذا الإرث المخجل.

المطالبة بالعدالة

بعد 100 عام من معاناة الفلسطينيين، يحق لنا اليوم أن نناشد جميع الناس ذوي الضمائر الحية في بريطانيا، وهناك الكثير منهم، بأن ينضموا إلينا في هذا المطلب:

ندعو الحكومة البريطانية للقيام الآتي:

  • تعتذر للشعب الفلسطيني عن معاناته خلال قرن من الموت والدمار، والذي لا نرى نهاية له، وبسبب إخفاقها عمدا أو تقصيرا في أداء واجباتها والتزاماتها.
  • تقوم بدفع تعويض كامل عن جميع الخسائر والأضرار المباشرة والناجمة عن ما قامت به ضد الشعب الفلسطيني.
  • تقوم بالامتثال للقواعد والتوجيهات الواردة في الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن الجدار والمؤرخ في التاسع من يوليو لعام 2004.
  • تقوم ما يلزم للمساعدة في إقامة فلسطين ديمقراطية حرة، وبوسائل منها:
    • لقيام بتصحيح سياساتها داخل المملكة المتحدة وفي الساحة الدولية بحيث يتم تحقيق الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف بشكل الكامل.
    • المساعدة، بصفتها جهة فاعلة رئيسية، في إعادة بناء فلسطين وإعادة اللاجئين إلى وطنهم.
    • القيام بتدريس التاريخ الفلسطيني الصحيح ومعاناة الشعب في المناهج الدراسية ووسائل الإعلام، وأن تقوم باستخدام أية وسيلة أخرى تجد أنها ضرورية لتحقيق هدف فلسطين الحرة والمستقلة.

وبناء على كل ما سبق، ندعو أصحاب الضمير في بريطانيا والعالم إلى دعم هذه المطالب من أجل استعادة فلسطين الحرة وتحقيق العدالة والحرية والسلام لشعبها.